فن البوب آرت في تحدّي الاتجاهات الفنيّة التقليديّة – الفنانة التشكيلية: هديل مراد  

فن البوب آرت في تحدّي الاتجاهات الفنيّة التقليديّة

“البوب آرت هو الفنُّ الذي يسمحُ للفنّان

بالتحرُّر من القيودِ التقليديّة

التي قد تحدُّ من خياله الفنّي،

ويمنحهُ القدرةَ على إعادة صياغةِ الواقعِ

وتقديمهِ بطريقةٍ مبتكرة”

 

 

الفنانة التشكيلية: هديل مراد  

أنا هديل مراد، أبلغ من العمر واحداً وعشرين سنة،  ولدتُ عام 2004 في مدينة دمشق، حيث قضيتُ طفولتي بين أزقّتها وحاراتها، لكن السنوات العشر الأخيرة قضيتها في مدينة كركي لكي التابعة لمقاطعة الجزيرة في شمال وشرق سوريا. العيش في كركي لكي كان له تأثيرٌ كبيرٌ على تكويني الشخصي، فقد منحني فرصة التعايش مع ثقافاتٍ متعددة وفهمٍ أعمق للقضايا الاجتماعية والإنسانية التي تخصُّ المنطقة. ناهيك عن أنّ المدينة متفرّدة بثقافتها الثرية، وتشتهرُ بتراثها التاريخي والثقافي المتنوع، وشعبها العظيم.

الأشخاص الذين دعموني في مسيرتي الفنيّة كانوا السبب الأكبر في نجاحي وتحقيق أحلامي، وهم عائلتي التي كانت دائماً إلى جانبي في كلِّ خطوة، وأصدقائي الذين كانوا دائماً يشجعونني ويحفّزونني عندما كنت أواجه الصعوبات. كانت كلماتهم الطّيبة ونقدهم البنّاء يمنحاني القوة للاستمرار والإبداع.

منذ طفولتي كان للرسم مكانةٌ خاصّةٌ في قلبي. كنتُ عاشقةً للألوان واللوحات، وأجد في كل لونٍ عالماً يعكس خيالي وأحاسيسي. احتفظتُ بكلِّ رسوماتي القديمة ككنزٍ شخصي. هذه الرسومات كانت بمثابة شهادةٍ على تطوّر رحلتي الفنية، حيث كانت البداية متواضعة، ولكن مع مرور الوقت أصبحتُ أتمكّن من التعبير عن نفسي بشكلٍ أعمق وأدق. عندما أعود اليوم لمشاهدة رسوماتي الأولى، أجد فيها ملامح أمل وإرادة. تلك الرسومات البسيطة التي كانت تمثّل بدايةَ طريقٍ طويل، تحوّلت مع الوقت إلى فنٍّ يُعبّر عن مشاعر وتجارب شخصيّة عظيمة.

مضى عليّ عامٌ كامل وأنا أمارس فن البوب آرت، وكنتُ متشوّقة جداً لتعلّمه واكتشاف أسراره. بدأتُ أولاً بتصفح الإنترنت والاطلاع على أنواعٍ متعددة من الرسم، واستلهمتُ الكثير من الأفكار والتغذية البصرية منه. بعد ذلك؛ بدأتُ أتدربُ يومياً، وشاهدتُ على موقع اليوتيوب دروساً أساسية لتعلّم هذا الفن. لقد اخترتُ فن البوب آرت (Pop Art) لأنّه يُتيح لي مساحةً واسعةً من الحرية في اختيار الأساليب والأدوات المستخدمة، ما يجعله مناسباً لرسم لوحاتٍ وشخصيّاتٍ ورسوماتٍ متنوّعة.

البوب آرت هو الأسلوب الذي يسمحُ لي بالتحرُّر من القيود التقليدية التي قد تحدُّ من خيالي الفني، ويمنحني القدرة على إعادة صياغة الواقع وتقديمه بطريقة مبتكرة. فن البوب آرت جزءٌ من الفن التشكيلي، حيث يُعتبر نوعاً من الفنون الجميلة البصريّة التي ظهرت في منتصف القرن العشرين، ويعتمد هذا الفن على استلهام المواد والأفكار من الثقافة الشعبية والإعلام الاستهلاكي.

الفرق بين الرسم بالرصاص والرسم بالحبر هو أنّ الرسم بالرصاص يُتيح إبراز ملامح وتفاصيل واقعية، ويُتيح التحكّم في رسم الشخصيات بدقةٍ أكبر. أمّا الرسم بقلم الحبر فيقتصرُ على رسم الملامح البارزة، وتوجد صعوبةٌ أكبر في رسم الملامح. أواجه صعوباتٍ في الرسم بالحبر، خاصّةً عند رسم التفاصيل الدقيقة على الورق، إذ يميل الحبر إلى التلاشي على سطح الورقة، مما يستدعي تركيزاً شديداً.

من بين كل رسوماتي، الرسمة الأقرب إلى قلبي هي رسمة القيادية في وحدات حماية المرأة روهلات عفرين. اخترت هذه الرسمة لأنّها لا تُمثّل مجرَّد صورة، بل ترمز إلى قوّة المرأة ودورها العظيم في المجتمع. من خلال هذه الرسمة حاولتُ إيصال رسالةٍ ألا وهي أنّ المرأة تستطيع أن تكون في الصفوف الأولى، تدافع عن قيمها ووطنها، وتترك بصمة قوية في التاريخ، وتُلهم الأجيال القادمة. بالنسبة إليّ هذه الرسمة هي تكريمٌ لكل النساء.

كما أنني أرسم النساء البارزات لأنّهنَّ مصدر إلهامٍ حقيقي. كثيرٌ من النساء في تاريخنا والحاضر قدّمن إنجازاتٍ عظيمة، وتحدّين الصعاب، ولكن في كثيرٍ من الأحيان لا يُسلَّط الضوءُ عليهن بما يكفي. من خلال فنّي؛ أحاول أن أُعيد لهنَّ بعضاً من هذا الضوء، وأن أُظهر قوتهن وإرادتهن، وأدوارهن القيادية، وإنسانيتهن العظيمة.

أعتقد أنّ الرسم وسيلةٌ لتجسيد الواقع، لأنّه يساعد الفنان على نقل ما يراه أو يشعر به على الورق، ويُظهر تفاصيل الحياة بطريقةٍ مختلفة وواضحة. مشاعري تنعكس في لوحاتي بشكلٍ واضح ، لأنّ الرسم بالنسبة لي وسيلةٌ للتعبير عمّا أشعر به، سواء كان فرحاً أو حزناً. مهما تكن مشاعرك فإنّ هذه المشاعر والأحاسيس تنعكس حتماً على الرسم، وتجعل اللوحة حية تتحدث عن حال الفنان الداخلية. الرسم بدوره يُتيح لك التعبير عن حزنك وفرحك في آنٍ واحد، ويمنحك الفرصة لتفريغ كلِّ ما بداخلك بطريقةٍ خلّاقة وجمالية. بهذه الطريقة، يصبح الرسم لغةً عميقة تتجاوز الكلمات، وتجسّد الواقع والمشاعر بأبهى صورةٍ ممكنة.

إنّ الرسم بشكلٍ عام، يتطلّب بيئةً هادئةً تساعد على التركيز والتأمّل. هذه البيئة تمنحني الفرصة للاستمتاع بتفاصيل العمل الفني والتركيز على كلِّ خطٍ وكلِّ لونٍ في اللوحة، وتمكنني من التواصل مع ذاتي وفهم مشاعري وأفكاري بشكلٍ أعمق.

أرى أنّ التوازن بين الحياة العملية والعلمية يشبه المشي على خيطٍ رفيع، فهو يتطلّب تركيزاً وانضباطاً شديدين. لذلك؛ أحرص على تنظيم وقتي بعناية، بحيث أخصص وقتاً كافياً لكل جانبٍ من جوانب حياتي. التوازن هو مفتاح النجاح في إدارة كلِّ هذه الجوانب دون أن يؤثّر أيٌّ منها سلباً على الآخر.

الفنان الذي ترك أثراً بداخلي هو الفنان التشكيلي الكردي لقمان أحمد. هذا الفنان المبدع مدَّ جسوراً فنية وثقافية بين العالم، وهو فنانٌ شغوفٌ بالتاريخ والحضارة والتراث. رسالته تتجسد في إبراز الهوية الكردية، وشغفه بالحفاظ على ذاكرة الشّعب الكردي، تعزيز مفاهيم الحرية والكرامة تظهر بوضوح في كلِّ خطٍ وكل لون استخدمه في لوحاته.

أحلم بأنّ يأتي يومٌ أقف فيه وسط لوحاتي، تحيط بي كما تحيط الذكريات بصاحبها. معرضي الشخصي سيكون بمثابة مساحةٍ خاصّةٍ لي، لأروي قصتي بالألوان والخطوط بدلاً من الكلمات. نصيحتي لكل شابٍ وفتاةٍ يمتلكون موهبةً فنيةً أن يكملوا طريقهم، فالفن شيءٌ عظيمٌ ويستحقُّ كلَّ جهدٍ وعطاء. أن يستغلوا الإنترنت للاستفادة القصوى، فهو مصدرٌ واسعٌ للتعلّم والإلهام. أن يحاولوا اختيار الأسلوب الفني الذي يجدون فيه راحتهم، فالتواصل مع الفن يكون أعمق عندما يشعر الفنان بالراحة والشغف بما يصنعه، ولا يخافوا من التجربة والخطأ، فكل محاولةٍ تعلّمهم شيئاً جديداً.

رسالتي لجيل المستقبل؛ يجب أن نتعلّم من الشهداء معنى الصبر والإصرار على القيم النبيلة، يجب أن يعرف هذا الجيل أنّ الحرية لا تُمنح بل تُصنع بالتضحيات. أتمنى من كل شابٍ وفتاةٍ أن يحافظوا على هذا الإرث، وأن يكملوا الطريق بالعلم، والوعي والمحبّة، لأنّ هذه هي الطريقة الحقيقية لنحافظ على تضحياتهم خالدة. أريد أن أقول لهم: أنتم الأمل، أنتم الامتداد الطبيعي لأحلام الشهداء، فلا تسمحوا أن تُمحى ذاكرتهم، بل اجعلوها قوةً تدفعكم لبناء مجتمعٍ أفضل، أكثر عدلاً وإنسانية.

علينا أن نتمسّك بمبادئنا، وأن ندافع عن هويتنا وحقوقنا، لأنّ ذلك هو السبيل الوحيد لبناء مستقبلٍ حقيقي يعكس قيم العزّة والكرامة.