لكي أرغبَ بحياةٍ حرةٍ لي، فيجب أنْ يَكُونَ المجتمع الذي أنتمي إليه حراً
لكي أرغبَ بحياةٍ حرةٍ لي، فيجب أنْ يَكُونَ المجتمع الذي أنتمي إليه حراً
“بالأصل، فإذا كان دخولُ الزنزانةِ كَرمى للحرية،
فما سينتعشُ فيها هو وعيُ الحقيقة.
والحياةُ المتعاظمةُ منسوجةً بوعيِ الحقيقة،
قادرةٌ حتى على تحويلِ أشدِّ الآلامِ إلى منبعٍ للسعادة”
المفكر عبد الله اوجلان
حتى وأن كنت في سجن إمرالي ولكنني سأبقى رفيق للمرأة اينما كانت. وبمناسبة يوم الثامن من آذار أقدم هذه القصيدة هدية لكافة النساء مع تمنياتي لهم بالنضال الدؤوب.
إلى امرأة الثامن من آذار
لكي نتمكن من الحياة معاً
يجب إزالة الأشواك المزروعة بيننا
والجدران التي تفصل بيننا
لذلك يجب التغلب على
أول طبقة وأول حاكم
وإلحاق الهزيمة بالرجولة المزيفة والظالمة
واستعادة الشعلة التي سُرقت باسم الحضارة
لذلك أخذتُ بعين الاعتبار
معركة تعادل كل معارك بروميثوس
فوجدت العالم في مواجهتي
وأسرتُ في موطن بروميثوس بمنتهى الغدر
أيتها الأم المقدسة..
يا امرأة العشق.
عام 2000
عندما أمسكتْ بي القوى السيدة على كافة القارات بوحدة متراصة كقبضة اليد، وأرسلتني معتقلاً إلى إمرالي بالمؤامرة المحاكة وفق حساباتها ومزاعمها؛ كان أول ما خطر ببالي حينها هو الملحمة اليونانية التي تتحدث عن إله اليونان زيوس، الذي ربط نصف الإله بروماتوس إلى الصخر في جبال القفقاس، وصار يُطعِم كبده للنسور ويجدده كل يوم. إنه بروماتوس الذي سرق النار والحرية من الآلهة لأجل الإنسانية! وكأن هذه الملحمة تتحول إلى حقيقة تتجسد في شخصيتي.
إنني أنظر بعين الصواب إلى تقييمي لمرحلة محاكمة إمرالي كفترة بحث عن السلام الديمقراطي ودعوة إليه، وإن كنتُ أعيش ضمن ظروف عصيبة للغاية. حيث تميزت تلك الفترة بقيمة تحولية نوعية بارزة، تكاثفت خلالها ضرورة التخلي مبدئياً عن التطلع إلى المجتمع الهرمي والدولتي، سواء على مستوى الوعي أو الجهد. وأنا على قناعة باستنباطي درساً تعليمياً من هذه الأوقات الحرجة والصعبة. فقد قاومتُ بذاتي طراز المقاومة الفظة وطراز الخنوع والاستسلام السافل على حد سواء. إن دفاعي هنا سيساهم بدرجة مهمة في تحول تركيا، إلى جانب استثمار الكيان السياسي المسمى بـ”حزب العدالة والتنمية AKP” إياه بوعي تام. ورغم كل محاولاتي، إلا إن العجز عن دفع القوى اليسارية – التي يجب أن تكون ديمقراطية – للاستفادة منه بمنوال مشابه، يعتبر خسارة هامة. فاليمين – لا اليسار – هو الذي كان يناضل في سبيل الديمقراطية. وبالطبع كان اليمينيون سيكونون الطرف الرابح.
وبينما كنت أجهد لفهم أنكيدو في ملحمة كلكامش – وهي ملحمتنا الأولى المدوَّنة – انتبهتُ في النهاية إلى أنه يمثل كل الهارعين إلى الدولة والمدينة. موقع “أوروك” هو أول مدينة دولة مشهورة، دُوِّنت حكايتها في التاريخ. والبطل الشهير كلكامش (كلمة كلكامش تعني في اللغة الكردية “الثور الضخم”، ويمكن التخمين بأن الملحمة اقتاتت بنسبة ملحوظة من المصادر الكردية الأولية) هو أحد الملوك أنصاف الآلهة المشهورين جداً في “أوروك”. وقد يكون مؤسِّسها. حسب ما يُفهَم من الملحمة، فإن مدينة أوروك كانت عُرضة لهجمات الحيوانات الوحشية والقبائل البرية على التوالي. فبينما كان الاهتمام متواصلاً في إحكام أسوارها الضخمة الأولى من نوعها في التاريخ، لم تتناقص الهمة في حمايتها من الحروب الموجهة إليها.
لطالما نصادف على مر التاريخ اختيار المقاتلين الأشداء من المجتمعات الغريبة. والمَلك كلكامش أيضاً كان يجمع مقاتليه الأباسل من أبناء القبائل القاطنة في المنطقة الجبلية الكثيفة الغابات، والمعروفة اليوم بمنطقة شمال العراق. وأسلوبه في ذلك كان أكثر غرابة. فمدينة أوروك ابتدعت حياة جديدة، حيث وصلت حدودها القصوى من الجاذبية والعظمة. أهم عواملها الجذابة كانت فحوش المرأة. أو بالأحرى، كانت حياة الغبطة والسعادة مع المرأة، التي تحولت رويداً رويداً من الإلهة الأم إلى امرأة محبوسة في المنازل وبيوت الدعارة، لتجذب الرجال إليها بشدة. فعبدة الرجل الجديدة تمنحه فرصاً من حياة لا حدود لها من المتعة واللذة.
لم يكن صراع إلهة أوروك “إينانا” هباء مع “أنكي”، أول آلهة الذكور الماكر. وقد كان اسم إينانا الأول هو “نينهورساغ”، الذي يعني “إلهة الجبل”. وهي تمثل الأم المستأهِلة المطوِّرة للحضارة النيوليتية، وتفيد باكتساب المجتمع المتسامي حول المرأة الأم، رمزه الألوهي كهوية خاصة. يبدو أن أهم النقاط التي صارعت إينانا لأجلها، كانت عَرضُها في المنازل وبيوت الدعارة كسلعة جنسية بحتة. لذا، فقد خاضت حرباً عتيدة لأجل ألوهيتها.
يشار في ملحمة كلكامش إلى أن المرأة اللذة والشهوة التي عُرِفَت بها المدينة، هي المؤثر الأساسي الذي ربط أنكيدو بمدينة أوروك. إنه تقرب مقنع. فهي نفسها المرأة التي اصطادت أنكيدو الوحشي على ضفاف الماء. ولدى تعلُّق أنكيدو بامرأة المدينة وولعه بها، بات المسؤول العسكري الحسن لكلكامش. لقد عولجت مجازفة كلكامش وأنكيدو في الفصول اللاحقة للملحمة، على نحو خلود أبدي، كأول مثال من نوعه.
لم أتردد في إدراك أن الملحمة تُنَوِّه إليّ أيضاً، عندما قايستُ حكاية أنكيدو بأول ذهاب لي إلى المدينة، وإلى المدرسة الابتدائية. ثمة فائدة باستذكار ذكرى لي في هذا الخصوص. كان هناك طفل يُدعى “شوكت”، وهو أحد الأطفال المحفَّزين على الذهاب إلى “قرية جبّين” الكبيرة المجاورة، لتلقي التعليم الابتدائي فيها. وهو الأخ الأصغر لـ”جمو”، الذي كنتُ نفذتُ أول عملية أنصارية عليه. كانت أمه في مقدمة نساء القرية البائسات والبدائيات. لكن، وفي أول يوم ذهب فيه ولدها شوكت إلى المدرسة، أذكر أنها تلفظت بجملة، كانت تتحدى بها أمهر المعلمين. لا زالت تلك الجملة تجول في خاطرتي، حين قالت: “لقد غدا ابني شوكت حكومة”. لم أستطع فك رموز ذاك الكلام بأفضل الأشكال، إلا في مرافعتي هذه.
كنا جميعاً مثل أنكيدو، شخصيات تُحَثُّ على الهرع نحو المدينة والدولة. كنا ننقطع عن المجتمع الأم، ونشمئز من القرية ونزدريها مع الأيام؛ لتُمحى من ذاكرتنا تصاعدياً، مقابل تفوق المدينة. أما أمنا، فكانت تفقد قيمتها ومقامها مع الزمن. لقد كنا شرعنا باستصغار أواصر القبيلة والعائلة. في حين كانت المدينة، والدولة التي بداخلها، تجذبنا إليها كالمغناطيس. لم يَعُد من السهل علينا التخلص من تأثيرها بعد ذلك. فالمدينة، والدولة التي بداخلها، كانت بحد ذاتها – وموضوعياً – أداة دعائية مريعة، وكأن كل شيء فيها معروض بشكل خارق ومذهل. لم يكن ممكناً رفض العاهرة المزيَّنة بأفضل لباسها ومكياجاتها.
كلما استثمرَت المدينة كل ما لديها لأجل تفوقها. كانت قريتنا الحبيبة تبقى وراءنا، وتبتعد عن مخيلتنا كاليتيمة. وغدا حتى أبسط موظفي الدولة إلهنا الجديد. وكان كل لباس يرتديه، وكل كلمة يتلفظ بها تمثل القدسية الجديدة لدينا. هكذا كانت أُعِدَّت تأثيرات المدينة. علاوة على ذلك، كان الكردي يُلَقَّب بـ”المُذَنَّب”. من حينها صار النفاذ من ذلك متمثلاً في معادلة التمدُّن والتدوُّل والاستتراك. وبدأنا نزدري قريتنا وعائلتنا، بل وحتى كردياتيتنا؛ لتغدو هذه الظواهر كَغِلٍّ ضخم يُكَبِّلُ أقدامنا ويقيِّدها. كانت كل دنيانا ستمر ضمن الثلاثي: “كلما تمدنتَ وتدوّلتَ واستتركتَ ذاتك، كلما غدوتَ رجلاً”. كانت هذه أعراف مجتمعنا الجديد. وكان ديننا وعِرفاننا سيكتسب معناه على ضوء ذلك. كنا نمر بالمجتمعية مجدداً، بالالتفاف حول هذا الثلاثي.
الخلاصة التي استنبطتُها هنا، هي أولوية التمدن والتدول على التمايز الطبقي وتكوين الوطن والأمة. وعلى عكس ما يُظَن، فالتمدن والتدول يبدآن في وقت مبكر، كعاملَين أساسيَّين مؤثرَين في المجتمعية. أما الظواهر البروليتارية والاشتراكية، فظهرت أمامنا كثمار للتمدن والتدول، وكصفات لإله الدولة.
لم تُحَلِّل السوسيولوجيا الشخصيةَ المتكونة ضمن الدولة والمدينة. إذ ثمة ظواهر سوسيولوجية تمثل الفوارق الشاسعة جداً بين الشخصية الجبلية والمشاعية من جهة، والشخصية المدينية والدولتية من جهة ثانية. وبدون تحليل تلك الظواهر، سيبقى أي تحليل للطبقة والاشتراكية والديمقراطية بالغ النقصان.
ثمة فوارق جذرية وتناقضات غائرة بين كل من المجتمع الذي تطبعه المدينة والدولة بطابعها، والمجتمع الجبلي والمشاعي. فبقدر ما يكون الأول دولتياً وسلطوياً، يُعَد المجتمع الثاني، أي الجبلي، مشاعياً (أي متساوياً) وديمقراطياً (أي حراً). بهذا المعنى، فإن أهم تناقض في التاريخ، هو ذاك الذي بين المجتمع المديني الدولتي، والمجتمع الجبلي المشاعي. يدور الكفاح الأصلي بين السلطة المدينية الدولتية، وبين الديمقراطية الجبلية المشاعية. كنتُ سأنتبه إلى هذه الظاهرة في وقت جد متأخر.
نضج سفرنا صوب المدينة والدولة أكثر فأكثر، مع حبنا للكلية العسكرية والسياسية، وافتتاننا بها. فالسلطة تجذب السلطة. كان علينا الوصول إلى السلطة السياسية والعسكرية هرولةً، لا سيراً. كما كنتُ أتأسف كثيراً وأغتمُّ، لدى بروز القلاقل أمام سيري ذاك. إذ كنت أعتبر نفسي مشؤوماً للغاية، عندما عجزتُ عن الالتحاق بالكلية العسكرية. أما جاذبية المرأة المدينية، فكانت أمراً مختلفاً في تلك الأثناء. لكنها كانت قوة جاذبة في نفس الاتجاه. كانت ثوريتنا تكتسب المعنى الدولتي الأمثل، في ظل تلك الظروف. كان يُنظَر إلى الاشتراكية على أنها حالة مُبَسَّطة للدولة. وكنا نرتقي بها خير ارتقاء. لقد كانت بالنسبة لنا أشبه بأداة جديدة للطيران والتحليق. أما تمردنا، فكان يُنظَر إليه كحنين للماضي، ورَدَّة فعل على الجديد. وبالنسبة للكردياتية، كنا نشعر بها كمشكلة تود إبراز ذاتها على الدوام.
وعندما تَبَدَّت دولتيتنا كظاهرة يمكن الوصول إليها في منطقة الشرق الأوسط، أصبحنا نؤمن بأننا سنتوجه نحو مآربنا بالأداة اللازمة حقاً. ولدى التحام إمكانيات الاعتماد على الدولة – وإن لم تكن موثوقة كثيراً – مع أهدافنا الثورية، لم تفقد مسيرتنا شيئاً من وتيرتها. عليَّ التبيان بصراحة أنني شعرتُ في تلك المرحلة، ولأول مرة، بأن شخصيتي تعرضت لتآكل المعاني. فقدسية الحياة كانت تفقد قيمتها تصاعدياً. كنتُ أدرك أنه بالدولة لا يحصل الكسب، بل الخسران. وشرعتُ أشكك في الهدف المراد بلوغه بركوب آلة الدولة. لكن، وبسبب قطعنا مسافة لا يستهان بها حينذاك، كنتُ على مسافة جد بعيدة عن القدرة على النظر إلى الوراء، لتحديد طريق الحل الجديد الواجب سلوكه، وتحديد كيفية القيام بذلك. ولدى حلول نهاية شخصيتي الممتطية للدولة، كانت مسألة تحديد الهوية الجديدة، التي سأبحث بها عن الطريق وأجده، مليئة بالمجاهيل والغموض. فالدولة الاشتراكية التي وثقتُ بها كانت قد خرجت من كونها حقيقة. وكنت لا أقبل على نفسي الالتجاء إلى الدولة الرأسمالية. أما علاقتي مع الدولة السورية، فكانت تتيح الاعتماد عليها منذ البداية على الصعيد التكتيكي. وبالنسبة للذهاب إلى جبال كردستان، كنت قد تأخرت فيه من جانب، ولم أرَ جهودي تثمر فيها من جانب ثانٍ. كنت أعتبر نفسي، وكأنني تعرضتُ للخيانة.
كنت قد تجرَّحتُ وهُرِشتُ جيداً، لدى انطلاقي نحو مجازفة أثينا وأوروبا تحت عبء هذه الأفكار والمشاعر. كنت متحمساً عندما هرعت إلى الدولة. كنت استظهارياً، وكان كل شيء لديّ معلقاً على الحظي برتبة ما. كان الدين والإيمان متمثلَين في الرتبة والمال. كنت قد تخطيت هذه الشخصية مع مزاولتي الثورية. لكنها كانت ثورية تسير مع الشخصية الدولتية. كانت مسألة بلوغ السلطة تجذبني منذ البداية، وبشكل مؤكد. في الحقيقة، كنت أهرول نحو دولتي “أنا”، الأدنى إليَّ؛ عوضاً عن الدولة البعيدة المنال. لقد كانت أشبه بالكفاح لأجل الدين الجديد، أو الطموح القومي الجديد. وكان تحليقي نحو ديار بكر، ومسيرتي في سوريا ولبنان، وكأنها تدغدغ طموحي في دولتي القومية، بل وتهبُّ بنفحاتها العليلة.
لكن، ورغم كل الجهود المضنية، إلا أن جوهر شخصيتي كان يُشعِرني من الصميم بفقداني بعض الأشياء. كانت العقلية الدولتية قد سرقتني من نفسي. فمعالم التردي والانحطاط التي عانتها الاشتراكية والثورية المتمحورتان حول الدولة عموماً، كانت برزت في ذاتي أيضاً. وهكذا، كان مقدراً لكافة تناقضاتي أن تظهر، وبكل جلاء، في عالم الحسابات الجليدية لأوروبا؛ عندما جُلتُ مثلث أثينا – موسكو – روما. ما كان مني أن أكون رجل ذاك العالم. وما كان لي أن أدخل حسابات الرأسمالية، ولا أن أعتاد حياة الغرب. كانت المسيرة قد انتهت، وكأن نهاية اليوتوبيا السطحية، والرمادية اللون قد حلّت. حتى عندما صرخَت الخيانة “إني آتية”، كنت أضحيت عاجزاً عن الشعور بما حولي. كان بإمكان ممعن دقيق أن يتنبه للحيلة اليونانية. ولكن، كان عليّ الاستمرار في الإيمان بالصداقة. كنت مضطراً لذلك. فبما أن شخصيتي تخطت السنين الأخيرة اعتماداً على هذه الصداقة، كان لا بد من مواصلتها سيرها بهذا المنوال حتى النهاية. وحتى عندما قيل “أنا الخيانة”، كنت سأقول لها “لا، بل أنت الصديق”.
هذا ما حصل في واقعة “كسيرة” أيضاً. كانت تلك المرأة – في الحقيقة – تصرخ بأعلى صوتها وبشكل مريع. كانت تُحَسِّسُني حتى النخاع بقولها “أنا الخيانة، لا تقتربْ”. أما أنا، فكنت أقول “أنتِ ستكونين معي لدرجة الهوى”. كان عشقي ورفاقي وأصدقائي قد أصبحوا كلاً متكاملاً. وحتى حين كانوا يرددون أغنيات الخيانة، كنت أقول “كم يردد رفاقي وعشاقي وأصدقائي الأغنيات الوطنية والثورية بشكل رائع”. كنت مضطراً لذلك. كان السائق اليوناني قد ضرب سيارة الجيب – التي كانت تُقِلُّني إلى المطار في جزيرة كورفو – عن قصد ووعي، بالطائرة التي كانت ستُقِلُّني إلى كينيا. وأنا كنت مستمراً في الإيمان بالصداقة. ألا يقولون بـ”عمى البصيرة”؟ وشأني كان شبيهاً بذلك. ما حصل حقيقةً، كان إفلاس شخصيتي الهارعة نحو المدرسة الابتدائية والمدينة والدولة. كان لا بد من إفلاسها. ذلك أن كل ما له علاقة بالدولة والمدينة من القيم التي كوَّنتْني، كان يجب أن يتساقط.
فحسب رأيي، بدأَ الكردُ المعاناةَ من أفظعِ كارثةٍ في تاريخِهم مع مؤامرةِ الفاشيةِ التركيةِ البيضاء المُبتَدئةِ في 15 شباط 1925م. فالمؤامرةُ التي حيكَت ضد الكردِ في 1925م هي أشملُ نطاقاً وأطول زمناً بكثير من تلك المُطَبَّقةِ على الأرمنِ في 1915م. ومقاربةُ هتلر التي سَلَكَها لدى انشغالِه بإبادةِ اليهود، والتي مفادُها “مَن الذي حَرَّكَ ساكناً تجاه تصفيةِ الجون تورك للأرمن؟”؛ تَسردُ بكلِّ علانيةٍ جذورَ المؤامرةِ الفاشيةِ ومدى الأهميةِ العظمى لمُمارساتِها الأصلية. لقد حاولتُ صياغةَ تحليلٍ للحداثةِ الرأسمالية بغرضِ إثباتِ أنّ أيديولوجيا الدولتيةِ القومية، بل الدولة القومية بالتحديد، هي مصدرُ الفاشيةِ في نهايةِ المطاف. أو بالأحرى، فقد صِغتُها لإظهارِ كيفيةِ تطورِ النظامِ الفاشيّ، الذي هو خاصيةٌ مهمةٌ من خصائصِ الدولةِ القومية؛ ولعرضِ عُراه مع النظامِ الرأسماليِّ على المَلأ. أما “هوبز”، مُنَظِّرُ الهيمنةِ الرأسمالية، فيَقتبسُ مصطلحَ “اللوياثان” (الوحش) من التوراةِ في إشارةٍ منه إلى سلطةِ الدولة. ويقومُ بتجسيدِه في الرأسمالية، وفي إنشاءِ سلطتِها، وفي الطابعِ الفاشيِّ لذلك الإنشاءِ أكثر من أيِّ شيءٍ آخر. وتجربةُ سلطةِ الجون تورك (هذا المصطلحُ رمزيٌّ محض، ولا علاقة له بالأتراكِ على الصُّعُدِ السوسيولوجيةِ والاجتماعيةِ والتاريخية) جديرةٌ بدراستِها وتناوُلها بأهميةٍ فائقة؛ نظراً لتمثيلِها ذلك التجسيدَ بنحوٍ صاعق، ولاتسامِها بقيمةٍ عالمية. وقد حاولتُ تجربةَ ذلك، ولو على مستوى مسودةِ مشروع.
نظراً لتَحَقُّقِ سياقِ إمرالي إِثرَ خروجي من سوريا في 9 تشرين الأول 1998، فإنّ الكردَ في سوريا استَقبَلوا المؤامرةَ بأسى وحِنقةٍ عميقَين، وأبدَوا ردودَ فعلٍ حادةً إزاءَها، وأضافوا شهداء آخرين إلى قافلةِ شهدائِهم. كما لَم يفقدوا ارتباطَهم بنا البتة، بل عزَّزوه أكثر. لقد كانوا السَّنَدَ الأعظمَ لي مادياً ومعنوياً طيلةَ السنواتِ التي أمضَيتُها هناك، والتي قاربَت العقدَين من الزمن. فإلى جانبِ دعمِهم الماديِّ اللامحدود، فقد أدَّوا دوراً تاريخياً بضَمِّهم الآلافَ من فلذاتِ أكبادِهم شباباً وشاباتٍ إلى صفوفِنا. وناهزَ عددُ شهدائِهم الآلاف. ولا يزالون يُقدِّمون مساندتَهم الفعالةَ عبر آلافِ المقاتلين والنشطاءِ السياسيين الموزّعين في عمومِ كردستان.
لن أمرَّ على الأمرِ دون ذكرِ نقطةٍ أخرى، ألا وهي أنّ المؤامرةَ المدبَّرةَ ضدي في سياقِ إمرالي، كانت من النوعِ الذي لا يُبقي حتى على وميضٍ من الأمل. إذ كان الحُكمُ عليَّ بالإعدامِ وإبقاءُ الحربِ النفسيةِ في الأجندةِ مدةً طويلةً يصبّان في هذا الهدف. فحتى أنا، لَم أَكُنْ أتصورُ في الأيامِ الأولى كيف سأَتحمَّلُ البقاءَ هنا. دَعكَ من مرورِ الأعوام، بل كنتُ لا أتصوُّرُ قضاءِ عامٍ واحدٍ فقط هنا. فتشكَّلَت لديّ فكرةٌ مفادُها: “كيف لكم أنْ تضعوا ملايين الناسِ في غرفةٍ ضيقة!”. وبصفتي قيادةً كرديةً وطنية، فبالفعلِ كنتُ قد جعلتُ نفسي، أو فُرِضَ عليَّ جعلُ نفسي تركيبةً جديدةً تحتوي الملايين في ظلِّ ظروفِ دخولي السجن. وهكذا كان الشعبُ أيضاً يراني. فبينما كان المرءُ غيرَ قادرٍ حتى على تحمُّلِ فُراقِه عن عائلتِه وأطفالِه، فكيف كان لي أنْ أتحملَ الفُراقَ والبُعدَ عن إرادةِ الملايين المُستَميتةِ على الاتحادِ والوحدةِ مدةً طويلةً قد لا تنتهي بلقاء!
لَم يَكونوا يعطونني حتى رسائلَ أبناءِ الشعبِ المدوَّنةِ في بضعةِ سطور. وفيما عدا بعضِ رسائلِ الرفاقِ المعتَقَلين النادرةِ والخاضعةِ للرقابةِ المشدّدة، والتي لا يُعطى القِسمُ الأكبرُ منها؛ لَم أَستَلمْ حتى الآن أيةَ رسالةٍ ممن هو خارجَ السجن، إلا في بعضِ الحالاتِ الاستثنائية. كما لَم أستطعْ إرسالَ أيةِ رسالةٍ إلى خارجِ السجن. كلُّ هذه الأمورِ قد تشرحُ نسبياً الوضعَ الناجمَ عن التجريدِ والعزلة. ولكن، كان ثمة جوانب خاصة بموقعي. إذ كنتُ بمثابةِ الشخصِ الذي حثَّ الكردَ على إنجازِ الكثيرِ من “البدايات”. وجميعُ تلك الانطلاقاتِ المنتصفةِ كانت خطواتٍ لا بدَّ منها على دربِ الحياةِ الحرة. فقد حفّزتُ الجميعَ من أبناءِ شعبِنا على إنجازِ الانطلاقاتِ الأولى بخصوصِ كافةِ المجالاتِ الاجتماعية. لكني لَم أتمكنْ من تسليمِ أيٍّ منها لأيادٍ أمينةٍ أو تركِها في ظروفٍ مناسِبة. تَخيَّلوا حالةَ عاشقٍ حققَ انطلاقتَه اللازمةَ لعشقِه الأول، ولكنّ يدَيه بقيَتا عالقتَين في الهواء، في الحينِ الذي كانت نارُ الحبِّ تضرمُ فؤادَه. وهكذا كانت انطلاقاتُ الحريةِ التي أنجزتُها في الميادينِ الاجتماعية قد بقيَت عالقةً في الهواء. إذ كدتُ أذوبُ من شدةِ الانهماكِ بميادينِ الحريةِ المجتمعية، بحيث لَم أَتركْ ورائي شيئاً اسمُه الـ”أنا”. وقد ابتدأَت فترةُ السجنِ في هكذا لحظةٍ على الصعيدِ الاجتماعيّ.
السجونُ ليست بيوتاً لإعادةِ تأهيل الشخصية. بل هي أماكن يتعلمُ فيها المرءُ كيفيةَ أداءِ الواجباتِ الأخلاقيةِ والإراديةِ تجاه المجتمعِ بكفاءة. تَسري هذه الخصائصُ أيضاً على مقاتلي الحريةِ الذين قصدوا الجبال. فأنْ تَكُونَ كريلا الحريةِ يعني أنْ تؤدي واجباتِك الأخلاقيةَ والسياسيةَ المعنيةَ بالمجتمعيةِ على أرفعِ المستويات، وأنْ تتحصَّنَ بهذا الوعي وتدركَ الواجباتِ الأخلاقيّة، وأنْ تلبي متطلباتِ الحريةِ فيما يخصُّ الدفاعَ الذاتيّ. فكينونةُ كريلا الحريةِ ليست لأجلِ النفوذِ الشخصيِّ أو الوصولِ إلى السلطة. فهي في هذه الحالةِ تغدو صراعاً لأجل السلطة، وليس الحرية. وصعودُ أمثالِ هؤلاء إلى الجبالِ أو نزولُهم منها ليس أخلاقياً ولا اجتماعياً. وبالأصل، فأمثالُ هؤلاء يلوذون إلى الخيانةِ بكلِّ سهولة، عندما لا يَجِدون ما طمعوا فيه. وهم عاجزون عن تأديةِ أيٍّ من ضروراتِ مهامِّهم الاجتماعية. ما أرمي إليه هو: أنّ كلَّ الأماكنِ تتميزُ بنفسِ المزايا بالنسبةِ لأولئك الذين يقبَعُ وجودُهم المجتمعيُّ تحت نيرِ عبوديةٍ مطلقة، أو يعانون التشتت. كما إنّ التمييزَ الذي لا جدوى منه، من قبيل: “داخل السجنِ سيئٌ وخارجه حسن” أو “المسلَّحُ سيئٌ والأعزلُ حسن”، لا يُغيّرُ شيئاً من فحوى الجهودِ الأصليةِ المبذولةِ من أجلِ الوجودِ والحرية. وبما أنّ حياةَ الإنسانِ لا تُثَمَّنُ إلا عندما تَكُونُ حرة، فأينما كان العيشُ المجردُ من الحرية، فإنّ ذاك المكانَ يُشَكِّلُ سجناً مُعتِماً في جميعِ الأوقات.
المصطلحُ الثاني هو تطوُّرُ وعيِ الحقيقةِ ارتباطاً بالمصطلحِ الأول. فالعلاجُ الوحيدُ للقدرةِ على التحملِ داخل السجنِ هو تنميةُ وعيِ الحقيقة. فعيشُ وعيِ الحقيقةِ بقوةٍ بشأنِ عمومِ الحياة، إنما يعني بلوغَ أمتعِ لحظاتِ الحياة. بل ويعني الوصولَ إلى معنى الحياة. فإذا استوعبَ الناسُ داوفعَ حياتِهم بصورةٍ صحيحة، فأينما كان مكانُ عيشِهم فليَكُن، فلن يُشَكِّلَ ذلك مشكلةً جادةً بالنسبةِ لهم. في حين تفقدُ الحياةُ معناها عندما تَكونُ مُثقَلةً بالأخطاءِ والرياء. وهنا تظهرُ الظاهرةُ المسماةُ بـ”تَرَدّي الحياة”. وما تَعَكُّرُ المزاجِ وضيقُ الخناقِ والتشاجرُ والشتمُ سوى محصلةٌ طبيعيةٌ للحياةِ الرعناء. بينما تُعَدُّ حياةُ الإنسانِ معجزةً حقاً بالنسبةِ لأولئك المتسلحين بوعيٍ راقٍ من الحقيقة. فالحياةُ بذاتِ عينِها منبعٌ للحماسِ العنفوانيّ، إذ يختفي معنى الكونِ بين طواياها. وكلما كُشِفَ هذا اللغزُ فلن تَبقَ هناك مشكلةُ التحمُّل، حتى لو كان المرءُ في زنزانة. وبالأصل، فإذا كان دخولُ الزنزانةِ كَرمى للحرية، فما سينتعشُ فيها هو وعيُ الحقيقة. والحياةُ المتعاظمةُ منسوجةً بوعيِ الحقيقة، قادرةٌ حتى على تحويلِ أشدِّ الآلامِ إلى منبعٍ للسعادة.