قضية التعصب الجنسوي الاجتماعي، المرأة والعائلة والتعدد السكاني
قضية التعصب الجنسوي الاجتماعي، المرأة والعائلة والتعدد السكاني
“تاريخ المدينة هو تاريخ خسران وضياع المرأة في الوقت نفسه.
هذا التاريخ بآلهته وعباده،
بحكامه وأتباعه، باقتصاده وعلمه وفنه؛
هو التاريخ الذي رسّخته شخصية الرجل الحاكم”
المفكر عبد الله أوجلان
إنّ النظرَ إلى المرأةِ كجنسٍ بشريٍّ له فوارقُه البيولوجية، يَتَصَدَّرُ العواملَ الأساسيةَ للعَمى فيما يخصُّ الواقعَ الاجتماعي. إذ مِن المحالِ أنْ يَكُونَ الاختلافُ الجنسيُّ بمفردِه سبباً لأيةِ قضيةٍ اجتماعيةٍ كانت. فكيفما لا يتمُّ تناوُلُ ثنائيةِ كلِّ ذَرَّةٍ لأيِّ كائنٍ حيٍّ في الكون على أنها مُعضِلة، كذا الثنائيةُ في وجودِ الإنسانِ أيضاً لا يُمكِن تعاطيها كقضية. أما الجوابُ على سؤالِ “لماذا الوجودُ ثنائيّ؟”، فلا يُمكِن إلا أنْ يكون فلسفياً. قد تبحثُ التحليلاتُ الأونطولوجيةُ (علم الوجود) عن جوابٍ لهذا السؤال (وليس القضية). أما جوابي، فكالتالي: لا يُمكِن تأمينَ وجودِ الوجودِ خارجَ إطارِ الثنائية. الثنائيةُ هي النمطُ الممكن للوجود. فحتى لو لَم تَكُن المرأةُ والرجلُ بحالِهما القائمة، وكانا منفردَين (لا قرينَ لهما)؛ فلن يستطيعا الخلاصَ مِن تلك الثنائية. هذا هو الحدثُ المسمى بالجنسانيةِ المزدوجة (الخِناثة). ينبغي عدمَ الاستغراب. لكنّ الثنائياتِ مَيَّالةٌ دوماً للتَكَوُّنِ المختلف. ولدى البحثِ عن برهانٍ فيما يتعلقُ بالذكاءِ الكونيِّ المطلق Geist، بالمقدورِ البحث عنه في ميولِ هذه الثنائيةِ أساساً. كِلا طَرَفَي الثنائيةِ ليسا جيدَين أو سيئَين. بل هما مختلفان، لا غير. ويجب أنْ يَكُونا مختلفَين بالضرورة. فإذا ما تَماثَلَت الثنائيات، فمن المحالِ تَحَقُّق الوجود. وعلى سبيلِ المثال، مِن المستحيلِ عندئذٍ حلّ قضيةِ التناسلِ في الوجودِ الاجتماعيِّ مِن خلالِ امرأتَين أو رَجُلَين. تأسيساً عليه، فسؤالُ “لماذا المرأةُ أو الرجل؟” لا قيمةَ له. وإذا كان لا بُدَّ مِن جوابٍ عليه، فبالمستطاعِ إعطاءَ جوابٍ فلسفيٍّ مفادُه أنّ الكونَ يجبُ أنْ يَتَكَوَّنَ هكذا بالضرورة (مُرغَماً، مَيَّالاً، عاقلاً، راغباً)، لا غير.
مِن هنا، فالبحثُ والتمحيصُ في المرأةِ باعتبارها كثافةَ العلاقاتِ الاجتماعية، ليس ذا معنى فحسب، بل ويتسمُ بأهميةٍ قصوى مِن حيث تَخَطّي (تفكيك) العُقَدِ الاجتماعيةِ العمياءِ أيضاً. وبما أنّ الرؤيةَ الرجوليةَ السلطويةَ قد خُلِعَت عليها مِسحةٌ من المَناعةِ والحَصانة، فإنّ تحطيمَ العَمى المعنيِّ بالمرأة بمثابةِ ضربٍ من تحطيمِ الذَّرَّة، إذ يتطلبُ بذلَ جهودٍ فكريةٍ عظمى وكسرَ شوكةِ الرجولةِ السلطوية. أما في جبهةِ المرأة، فينبغي تحليلَ وتفكيكَ المرأةِ المُنشَأةِ اجتماعياً في الأصل، والتي تَكادُ تَجعلُ مِن ذلك نمطاً وجودياً لها؛ وتحطيمَها بالمثل.
فالإحباطاتُ المُعاشةُ في نجاحِ أو فشلِ كلِّ كفاحاتِ الحريةِ والمساواةِ والديمقراطيةِ والنضالاتِ الأخلاقيةِ والسياسيةِ والطبقية (العجز عن تجسيد اليوتوبيات والمناهج والمبادئ في الحياة العملية)، مشحونةٌ بآثارِ شكلِ العلاقةِ الحاكمة (السلطوية) التي لَم تتحطم (فيما بين المرأة والرجل). ذلك أنّ العلاقاتِ المُغَذِّيةَ لشتى أنواعِ اللامساواةِ والعبوديةِ والاستبداد والفاشيةِ والعسكرتاريةِ تستقي مصدرَها العينَ مِن شكلِ العلاقةِ ذاك. بالتالي، إذا كُنّا نَوَدُّ إضفاءَ السَّرَيانِ الذي لا يُسَبِّبُ خيبةَ الأملِ والإحباطَ فيما يتعلقُ بالكلماتِ التي طالما يَدُورُ الحديثُ عنها، مِن قَبيلِ المساواة والحرية والديمقراطية والاشتراكية؛ فينبغي حينها تفكيكَ وتمزيقَ شبكةِ العلاقاتِ المنسوجةِ حولَ المرأة، والتي هي قديمةٌ بقدرِ قِدَمِ علاقةِ الطبيعةِ والمجتمع. وفيما خلا ذلك، ما مِن سبيلٍ آخَر يؤدي إلى الحريةِ والمساواة (الملائمة للفوارق) والديمقراطيةِ الحقيقيةِ والأخلاق غيرِ الازدواجية.
منذ ظهورِ الهرميةِ أُضفِيَ المعنى على التعصبِ الجنسويِّ كأيديولوجيةِ السلطة. إنه مرتبطٌ عن كثب بالتحولِ الطبقيِّ والسلطويّ. كلُّ البحوثِ والمشاهداتِ الأثريةِ والأنثروبولوجية والراهنةِ تدلُّ على أنه ثمة مراحلُ كانت المرأةُ فيها منبعَ الاقتدار، وأنها استمرَّت مدةً طويلةً من الزمن. هذا الاقتدارُ ليس بسيطرةِ السلطةِ المتأسسةِ على فائضِ الإنتاج، بل بالعكس، إنه اقتدارٌ ينبعُ مِن العطاءِ والإنجاب، ويُعَزِّزُ الوجودَ الاجتماعي. ذلك أنّ الذكاءَ العاطفيَّ الذي لا يَبرَحُ قويَّ التأثيرِ لدى المرأة، له أواصرُه الوطيدةُ مع ذاك الوجود. وعدمُ احتلالِ المرأةِ مكاناً ملحوظاً في حروبِ السلطةِ المتأسسةِ على فائضِ الإنتاج، وكذلك نمطُ وجودِها الاجتماعي؛ إنما مرتبطان بوضعها هذا.
تشيرُ اللُّقى التاريخيةُ والمشاهَداتُ اليوميةُ بجلاءٍ ساطع إلى أنّ الرجلَ لَعِبَ دوراً ريادياً في تَطَوُّرِ السلطةِ المتمحورةِ حول النظامِ الهرميِّ والدولتي. ولتحقيقِ ذلك كان ينبغي تَخَطّي وكَسرَ شوكةِ اقتدارِ المرأةِ المتنامي حتى آخِرِ مرحلةٍ مِن المجتمعِ النيوليتي. هذا وتُؤكِّدُ اللُّقى التاريخيةُ والمشاهَداتُ اليوميةُ مرةً أخرى أنه تَمَّ خوضُ صراعاتٍ ضاريةٍ متنوعةِ الأشكالِ وطويلةِ المدى ضمن هذا السياق. والميثولوجيا السومريةُ بالأخص مُنيرةٌ للغاية، وكأنها تكادُ تَكُونُ ذاكرةَ التاريخِ والطبيعة الاجتماعية.
تاريخُ المدنيةِ هو تاريخُ خُسرانِ وضياعِ المرأةِ في الوقتِ نفسه. هذا التاريخُ بآلهته وعباده، بحُكامه وأتباعه، باقتصادِه وعلمه وفنه؛ هو تاريخُ رسوخِ شخصيةِ الرجلِ المسيطر. بالتالي، فخُسرانُ وضياعُ المرأةِ يعني التهاويَ والضياعَ الكبيرَ باسمِ المجتمع. والمجتمعُ المتعصبُ جنسوياً هو ثمرةُ هذا السقوطِ والخُسران. فالرجلُ المتعصبُ جنسوياً يتميزُ بِنَهَمٍ كبيرٍ لدى بسطِه نفوذَه الاجتماعيَّ على المرأة، لدرجةِ أنه يُحَوِّلُ أيَّ تَماسٍّ معها إلى استعراضٍ للسيطرة. إذ بُسِطَت علاقةُ السلطةِ باستمرار على ظاهرةٍ بيولوجيةٍ كالعلاقةِ الجنسية. فلا يَنسى الرجلُ بتاتاً أنه يُضاجِعُ المرأةَ جنسياً بنشوةِ الانتصارِ عليها. لقد كَوَّنَ عادةً جِدَّ وطيدةٍ على هذا الصعيد، وابتَدَع الكثيرَ من العباراتِ مثل: “تَمَكَّنتُ منها”، “أَنهَيتُ أمرَها”، “العاهرة”، “لا تُنقِصْ المَنيَ من رَحمِها، ولا العصا عن ظهرِها!”، “الفاحشة، المومِس”، “إنه صبيٌّ كالبنت”، “إذ ما أَطلَقتَ عِنانَ ابنتِكَ، فستَهربُ إلى الطَّبَّالِ أو الزَّمَّار”، و”اعقِلْها فوراً” وغيرها مِن القصصِ غيرِ المعدودةِ التي يُضرَبُ بها المَثَل. ساطعٌ سطوعَ الشمسِ كيف تُؤَثِّرُ العلاقةُ بين الجنسويةِ والسلطةِ ضمن المجتمع. فحتى في يومنا الراهنِ يَتَمَتَّعُ الرجلُ بحقوقٍ لامَعدودةٍ على المرأة، بما فيها “حقُّ القتل”؛ كواقعٍ سوسيولوجيٍّ قائم. وتُمارَسُ تلك الحقوقُ يومياً. بالتالي، فالعلاقاتُ تتسمُ بطابعِ الاعتداءِ والاغتصابِ بنسبةٍ ساحقة.
أُنشِئَت الأسرةُ كدولةِ الرجلِ الصغيرةِ بموجبِ هذا المنظورِ الاجتماعي. وما الرسوخُ المستمرُّ للمؤسسةِ المسماةِ بالأسرة بنمطها الحاليِّ على مَرِّ تاريخِ المدنية، إلا بسببِ القوةِ التي تُزَوِّد بها أجهزةَ السلطةِ والدولة. أولاً؛ يتمُّ فرض التَحَوُّلِ السلطويِّ على الأسرةِ بالتمحورِ حول الرجل، لِتغدوَ خليةَ مجتمعِ الدولة. ثانياً؛ يتمُّ ضمان عملِ المرأةِ فيها بلا حدود أو مقابل. ثالثاً؛ تُنشِئُ الأولادَ بغرضِ تأمينِ الحاجةِ السكانيةِ اللازمة. رابعاً؛ تؤدي دورَ النموذجِ في نَشرِ السقوطِ والتَّرَدِّي والعبوديةِ بين صفوفِ المجتمعِ بأكمله. في الحقيقة، الأسرةُ بمضمونِها هذا تُعَدُّ أيديولوجيا. إنها المؤسسةُ التي نَشَطَت فيها الأيديولوجيةُ السلالاتية. فكلُّ رجلٍ في الأسرةِ ينظرُ إلى نفسه وكأنه صاحبُ مَملَكة. للأيديولوجيةِ السلالاتيةِ تلك تأثيرُها البليغُ المُتَسَتِّرُ وراء النظرِ إلى الأسرةِ كواقعٍ جدِّ هام. وبقدرِ ما يزدادُ عددُ النساءِ والأطفالِ في الأسرة، يَتَمَتَّعُ الرجلُ بالضمانِ والشرفِ بالمثل. مِن المهمِّ أيضاً تقييمَ الأسرةِ بوضعها الحاليِّ كمؤسسةٍ أيديولوجية. فإذ ما سَحَبتُم المرأةَ والأسرةَ بوضعهما القائمِ مِن تحتِ نظامِ المدنية، أي السلطة والدولة؛ فلن يتبقى إلا النذرُ القليلُ باسمِ النظام. إلا أنّ ثمنَ هذا الطرازِ هو نمطُ وجودِ المرأةِ المؤلمِ والبائسِ والمقهورِ والمتردي والمهزومِ في ظلِّ حربٍ دائمةٍ منخفضةِ الشدةِ ولا هوادةَ فيها. وكأنه “احتكارُ الرجل” المُسَلَّطُ على عالَمِ المرأةِ كسلسلةٍ احتكاريةٍ ثانيةٍ موازيةٍ ومشابهةٍ لِما فَرَضَته احتكاراتُ رأسِ المالِ على المجتمعِ طيلةَ تاريخِ المدنية. بل وهو الاحتكارُ الأعتى والأقدم عمراً. مِن هنا، فتقييمُ وجودِ المرأة بِعالَمِ المستَعمَرةِ الأقدم، سيؤدي إلى نتائجَ أكثر واقعية. وربما من الأصحِّ نَعتَ النساءِ بأقدمِ شعبٍ مستعمَرٍ لَمْ يصبح أُمّة.
أما الحداثةُ الرأسمالية، ومثلما لَم تُصَيِّرْ الوضعَ المتوارَثَ حراً تَسُودُه المساواةُ رغمَ كلِّ التزييناتِ الليبراليةِ البراقة، فقد أضافت إليه وظائفَ جديدةً على عبءِ المرأة، فأَقحَمَتها في وضعٍ أشدّ وطأةً مِن سابقه. فالأوضاعُ مِن قبيل: العاملة الأرخص، عامِلة المنزل، العاملة المجانية، العاملة المرنة، والخادمة؛ تشير إلى وضعٍ أَشَدَّ وطأة. وفوق هذا، تَجَذَّرَ استغلالُها أكثر فأكثر ككائنٍ أو كأداةٍ مُفَضَّلَةٍ في الإعلامِ المُصَوَّرِ والدردشةِ والدعايات. فحتى جَسَدُها يُبقى عليه ضمن مستوى السلعةِ التي لا غِنى لرأسِ المالِ عنها، كونَها أداةَ الاستغلالِ الأكثر تنوعاً. إنها أداةُ الدعايةِ المُثيرة على الدوام. وباقتضاب، هي أكثرُ ممثلي العبوديةِ العصريةِ عطاءً. فهل يُمكِن تَصَوُّرَ سلعةٍ أفضلُ وأثمنُ مِن العبدِ الذي يَدُرَّ الأرباحَ الطائلة، ويَكُونُ أداةَ متعةٍ لامحدودةٍ في آنٍ معاً؟
القضيةُ السُّكَّانيةُ على علاقةٍ كثيبةٍ مع التعصبِ الجنسويِّ والأسرةِ والمرأة. فسكانٌ أكثر يعني رأسَ مالٍ أكبر. و”امرأةُ المنزل” هي مصنعُ السكان. ويُمكِنُنا تسميتَها بمصنعِ إنتاجِ البضائع، أي “الذُّرِّيَّة” الأثمن مما يحتاجه النظامُ بشدة. وللأسفِ الشديد، أُقحِمَت الأسرةُ في هذا الوضعِ في كنفِ السيطرةِ الاحتكارية. وبينما يُفرَضُ اجترارُ كلِّ المصاعبِ والمشقاتِ على المرأة، فإنّ قيمةَ هذه السلعة هي أنها الهديةُ الأثمن المُهداةُ للنظام. والتزايدُ السكانيُّ يُهلِكُ ويُنهِكُ المرأةَ بالأكثر. الأمرُ كذلك في أيديولوجيةِ السلالاتِ أيضاً. فالنزعةُ العائلية، التي تُمَثِّلُ الأيديولوجيةَ المُفَضَّلةَ للحداثة، هي المرحلةُ الأخيرةُ التي بَلَغَتها السلالاتية. كلُّ هذه الأمورِ أيضاً تتكاملُ زيادةً عن اللزوم مع أيديولوجيةِ الدولتيةِ القومية. فما الذي عَساهُ يَكُونُ أثمن مِن تنشئةِ الأولادِ باستمرار لأجلِ الدولةِ القومية؟ فالمزيدُ مِن سكانِ الدولةِ القوميةِ يعني المزيدَ مِن القوة. وهذا ما مفادُه أنّ ما يَقبَعُ وراءَ الانفجارِ السكانيِّ ليس سوى المصالحُ الحياتيةُ لاحتكاراتِ رأسِ المالِ والرجلِ المنَظَّمة بِتَراصّ. بمعنى آخر، فكلُّ المشقات، القهر، الإهانة، الآلام، الاتهامات، الحرمانِ والمجاعةِ مِن نصيبِ المرأة؛ بينما مكاسِبُها ومُتعَتُها مِن نصيبِ “سيد”ها ورأسماليِّها. ما مِن عصرٍ في التاريخِ تَجَرَّأَ على إبداءِ القدرةِ أو الخبرةِ في استخدامِ المرأةِ كأداةٍ للاستغلال مِن مناحيَ كثيرةٍ بقدرِ راهننا. إنّ المرأةَ تَعيشُ أحرجَ فتراتِ تاريخها، مِن حيث كونِها أولَ وآخِرَ مستعمَرة.
بَيْدَ أنّ شَراكةَ الحياةِ المُنَسَّقةَ مع المرأةِ بفلسفةٍ مفعمةٍ بروحِ الحريةِ والمساواة والديمقراطيةِ الجذرية، تَمتَلِكُ الكفاءةَ التي تُخَوِّلُها لتأمينِ أعلى مستوياتِ الكمالِ في الجمالِ والفضيلةِ والصواب. أنا شخصياً أرى الحياةَ مع المرأةِ ضمن الأوضاعِ القائمة مُعضِلةً إشكالية، بقدرِ ما هي قبيحةٌ وسيئةٌ وخاطئة. والحياةُ مع المرأةِ في ظلِّ الأوضاعِ القائمة، هي من أكثرِ المواضيعِ التي تَضعُفُ فيها جرأتي منذ الطفولة. ذلك أنّ موضوعَ البحثِ هو حياةٌ تتطلبُ المساءلةَ في غريزةٍ وطيدةٍ للغاية كالغريزةِ الجنسية. فالغريزةُ الجنسيةُ إكرامٌ لأجلِ ديمومةِ الحياة. وهي معجزةُ الطبيعةِ التي تستحقُّ التقديس. لكنّ احتكارَ رأسِ المالِ والرجلِ قد لَوَّثَ المرأة، لدرجةِ أنّ هذه المهارةَ التي تُعَدُّ معجزةَ الطبيعةِ قد صُيِّرَت مؤسسةً مُنحَطَّةً بالأكثر، وبمثابةِ “مصنعِ الذُّرِّيَّة” المنتجِ للسلع. وبينما يُقلَبُ المجتمعُ رأساً على عقب بهذه السلع، فإنّ البيئةَ أيضاً تَشهَدُ الانهيارَ لحظةً بلحظة تحت وطأةِ التضخمِ السكانيّ (تعداده حالياً ستة مليارات؛ فلنَتَصَوَّر البيئةَ لدى بلوغِه عشرة مليارات أو خمسين ملياراً إنْ استمرَّ بهذه الوتيرة). لا ريب أنّ العيشَ مع امرأةٍ وأطفال يُعتَبَرُ في جوهره حَدَثاً مقدساً، ومؤشِّراً على أنّ الحياةَ لن تنضب، مما يُشعِرُ بالخلود. أَوَثمة شعورٌ أثمن مِن ذلك؟ فكلُّ نوعٍ يحيا نشوةَ التطلعِ إلى الخلودِ انطلاقاً مِن هذه الحقيقة. لكنّ هذا الوضعَ لدى إنساننا الراهنِ بالأخص، يُعاشُ في المستوى الذي قالَ فيه أحدُ الشعراء “ذُرِّيَّتُنا بَلاءٌ على رؤوسنا”. مِن هنا، محالٌ إنكار كَونِنا – مرةً أخرى – وجهاً لوجه أمام أفدحِ رذالةٍ وقُبحٍ وخطأٍ لاحتكارِ رأسِ المالِ والرجل، والذي يتعاكسُ مع الطبيعتَين الأولى والثانية.
ما شُيِّدَ بِيَدِ الإنسانِ يُمكِن هدمَه بِيَدِ الإنسان. فلا قانونُ الطبيعةِ موجودٌ هنا، ولا القَدَرُ المكتوب. بل موضوعُ الحديثِ هو الترتيباتُ الواجب تحطيمَها، والتي تُشَكِّلُ أيدي الحياةِ السرطانيةِ والهرمونيةِ للعصاباتِ والاحتكاراتِ والرجلِ القويِّ الماكر. لَطالما شَعَرتُ مِن الصميمِ بعُمقِ تَفاهُمِ ثنائيِّ الحياة الخارقِ كلياً في الكون (حسبما هو معلوم). وأبدَيتُ أولاً الجرأةَ على التفكيرِ مع المرأة، ثمَّ النقاشَ معها حولَ مكانِ وزمانِ ومقدارِ الفسادِ الموجود، وكيفيةِ تلافيه؛ ووضعَ أهميةِ ذلك في مقدمةِ كافةِ العلاقات. دون أدنى شك، فالمرأةُ القوية، المُفَكِّرةُ العاقلة، الفاضلة، الجميلة، التي تَتَّخِذُ القراراتِ الصائبة، وبالتالي تَجعَلُني معجَباً بها بِتَخَطّيها إياي، والتي يُمكِن أنْ تَكُونَ مُحاوِراً لي؛ ستَكُونُ مِن أحجارِ الزاويةِ في بحثي الفلسفيّ. ولَطالما آمنتُ بأنّ ألغازَ تَدَفُّقِ الحياةِ في الكونِ ستَجِدُ معناها مع هذه المرأةِ بجانبها الأفضل والأجمل والأصح. ولكني آمنتُ أيضاً بأخلاقي التي لا تَسمحُ بتاتاً بمُشاطرةِ طرازِ وجودي مع بضاعةِ “الرجل ورأس المال” المنتصبةِ أمامي، أي مع “هرمز ذي التسعين ألفِ زوج”؛ ولدرجةٍ لن يَقدِرَ عليها أيُّ رجلٍ كان. حينها، قد يَكُونُ مصطلحُ “علم المرأة” Jineolojî جواباً أفضل للهدف، وبِما يتعدى نطاقَ الفامينية.
الجنسانيةُ أيضاً كانت سلاحاً لَجَأَت إليه نُظُمُ المدنيةِ مدى التاريخ (في مواجهةِ المجتمعِ الأخلاقي والسياسي). واستعمارُ المرأةِ لِمَآربَ عديدة خيرُ سَردٍ ملفتٍ للنظر بهذا الصدد. فهي تُنجِب الذُّرِّيَّةَ، وهي عامِلٌ مجانيٌّ بلا أَجر، وصاحبةُ أكثر الأعمال قَهراً ومشقة، والعبدُ الأكثر طاعة. كما أنها بمثابةِ أداةِ الدعايةِ وموضوعِ ووسيلةِ الشَّهوة الجنسية التي باتت متواصلة. هي أثمن سلعة، بل ومَلِكَةُ السلع. وهي بمثابةِ المصنعِ الذي يُحَقِّقُ سلطةَ الرجلِ كأداةٍ مُعَرَّضةٍ لاغتصابه الدائم. وهي المُحَقِّقَةُ لديمومةِ المجتمعِ الذكوري المهيمن معنوياً، كونَها موضوعَ الجمال والصوت والزينة. وفي بنيةِ الدولة القومية، تَبلُغُ مكانةُ المرأة أقصى مراتبِ الحضيضِ بجميعِ جوانبِها ضمن المجتمع الذكوري. فتَصَوُّرُ المرأة إلهةً في مجتمعِ الدولة القومية (هويةُ المرأة المشتركة وتَصَوُّرُها)، يَبدو ظاهرياً وسيلةً للعبادة. لكنّ صفتَها كـ”إلهة”، تعني هنا الحضيضَ وبيوتَ الدعارة. فالمرأةُ الإلهة هي المرأة المُتَعَرِّضةُ لأقصى درجاتِ الإهانة والسفالة. فمن جانب، وبينما تَمنَحُ الجنسويةُ تسلطاً أقصى للرجلِ في مجتمعِ الدولة القومية (كل رجلٍ متسلط يَنقُشُ العلاقةَ الجنسيةَ في عقله بشكلٍ مستورٍ بما مفاده “أنهَيتُ أمرَ العاهرة” و”تَمَكَّنتُ منها”)، فهي من الجانب الآخر تُحَوِّلُ المجتمع إلى مستعمَرةٍ في الحضيض متمثلاً في شخصِ المرأة. بهذا المعنى، فالمرأةُ في الدولة القومية هي الأمةُ المستَعمَرةُ بالأكثر ضمن المجتمعِ التاريخي!
لا تتخلفُ الدولةُ القوميةُ عن استخدامِ الدين بالتداخل مع الأيديولوجيةِ القوموية، باعتباره شريعةَ ما قبل الحداثة. الدافعُ وراء ذلك هو تأثيرات الدين التي لا تزال منيعةً في المجتمعات. وبالأخص الإسلام، الذي لا يَبرحُ حيوياً للغاية في هذا المضمار. لكنّ الشريعةَ الدينية لَم تَعُدْ الدينَ القديمَ مع نمطِ استخدامِها في الحداثة. فالدينُ المستَخدَمُ في الحداثة ضمن إطارِ الدولة القوميةِ مبتورٌ مِن وظيفته الاجتماعية الحقيقية (دوره العظيم في المجتمع الأخلاقي والسياسي)، ومُقَدَّمٌ بحالته المَخصِيَّة؛ سواءً متطرفاً أم معتدلاً. فدورُه في المجتمع بقدرِ ما تَأذَنُ به الدولةُ القومية، حيثُ تُوضَع العراقيلُ الصارمةُ أمام استمراره بوظيفته الإيجابية داخل المجتمع الأخلاقي والسياسي. والعلمانيةُ تتصدر لائحةَ العراقيل في هذا السياق. بالتالي، ينبغي عدم الاستغراب من انفجارِ النضالات والنزاعات فيما بينهما بين الفينة والأخرى. هذا وعدم تَخَلِّي الدولة القومية كلياً عن الدين (كشريعةٍ قديمة)، إنما يتأتى من بنيته المساعدة كثيراً لاستثماره وتَصييره قومويةً، إلى جانبِ ثِقَلِ وزنه الكبير على المجتمع. وأحياناً يؤدي الدينُ بذاته دورَ القوموية. فالمذهبُ الشيعي المُقَدَّم في إيران سلاحٌ أيديولوجيٌّ مهيمنٌّ هو الأعتى للدولة القومية الإيرانية الراهنة. ذلك أنّ المذهبَ الشيعي مثالٌ قومويٌّ للدين الأقوى. وأشباهُه كُثُر. فالمذهبُ السُّنِّيُّ في تركيا بمثابةِ الأيديولوجيا الدينية الأدنى إلى القوموية والأسهل انزلاقاً نحوها، ولو بحدود.
الدولةُ القومية، التي تأخُذُ على كاهلها مَهَمَّةَ تحقيقِ الاستغلال الاحتكاري ذي الطوابق الأربعة الموَحَّدة (الاحتكار التجاري والصناعي والمالي، واحتكار السلطة)، لا تستطيعُ الاكتفاءَ باستخدامِ الفاشية التي هي أَهوَلُ أشكالِ العنفِ لتنفيذ مآربِها تلك. بل تَشتَرِطُ الاستخدامَ المهيمن للأيديولوجياتِ التوفيقيةِ الأربع بمثلِ استخدامِ عنفِ النظام الفاشي بأقل تقدير. حيث يستحيلُ الاستمرار بالنظام الفاشي دون الهيمنةِ الأيديولوجية.
تَرُدُّ العصرانيةُ الديمقراطيةُ على الإنسانِ المتجانسِ (الأحادي النمط) وعلى مجتمعِ الحشدِ والرعاع، اللذَين تسعى الدولةُ القوميةُ العصريةُ لتحقيقِهما وفق الأسلوب الذي ترتأيه هي من خلالِ المسار الكونيِّ المُطلَق المتقدمِ على خطٍّ مستقيمٍ (مفهوم الأسلوب المنغلق على الاحتمالات والبدائل)، تَرُدُّ عليهما بأساليبِ تَجعَلُ المجتمعَ الديمقراطيَّ التعدديَّ المنفتحَ على البدائلِ والاحتمالاتِ أمراً مرئياً. وتُطَوِّرُ بديلَها المنفتحَ على الكيانات السياسية المختلفة، وذا التعدديةِ الثقافية، الأيكولوجي، الفامينيَّ والمنغلقَ على التحوُّلِ الاحتكاري، وببنيته الاقتصادية التي تلبي الاحتياجات المجتمعية الأوليةِ وتعتمد على التوفير الجماعي. الكونفدراليةُ الديمقراطية هي البديلُ السياسيُّ المقابل لدولةِ الحداثةِ الرأسماليةِ القومية.
الكونفدراليةُ الديمقراطية:
a– منفتحةٌ على الكياناتِ السياسية المختلفة ذاتِ الطبقيةِ المتعددة. ذلك أنّ الكياناتِ السياسيةَ المختلفةَ عامودياً وأفقياً ضرورةٌ اضطراريةٌ بسببِ البنية المعقدةِ للمجتمع القائم. هذا وتَلُمُّ شَملَ الكيانات السياسية المركزية والمحلية والإقليمية ضمن حالةِ توازن. فبِحُكمِ ردِّ كلِّ واحدٍ منها على ظروفٍ ملموسةٍ معيَّنة، فإنّ البنى السياسيةَ التعدديةَ أقربُ إلى إيجادِ سُبُلِ الحل الأسلم والأصح للمشاكل الاجتماعية. كما أنّ تعبيرَ الهوياتِ الثقافية والأثنية والوطنية عن نفسها بالكياناتِ السياسية مِن أكثرِ حقوقها طبيعيةً. أو بالأحرى، مِن متطلباتِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي. وهي منفتحةٌ على أشكالِ التوافقِ المبدئي مع تقاليد الدولة، سواءً كانت دولةً قومية أم جمهوريةً أم ديمقراطياتٍ بورجوازية. إذ بمستطاعها العيش تحت مظلةٍ واحدة على أساسِ السلامِ المبدئي.
b– تستندُ إلى المجتمعِ الأخلاقي والسياسي. أما مساعي المجتمعِ المُصاغةُ على شكلِ مشاريعَ عينيةٍ ونمطيةٍ مرتكِزةٍ إلى هندسةِ المجتمع مِن قَبيلِ: المجتمع الرأسمالي، الاشتراكي، الإقطاعي، الصناعي، الاستهلاكي وغيرها؛ فتَعتَبِرُها مندرجةً ضمن إطارِ الاحتكارات الرأسمالية. إذ لا وجودَ لهكذا نوعٍ من المجتمعات مضموناً، بل دعائياً وحسب. فالمجتمعاتُ أساساً سياسيةٌ وأخلاقية. والاحتكاراتُ الاقتصاديةُ والسياسيةُ والأيديولوجية والعسكرية أجهزةٌ تَقرضُ وتَنخُرُ طبيعةَ المجتمعِ الأساسيةَ تلك، طمعاً بفائضِ القيمة، بل وحتى بالجزيةِ الاجتماعيةِ الثقيلة. إذ لا قيمةَ لها بمفردها. فحتى الثورةُ تعجزُ عن خلقِ مجتمعٍ جديد. حيث لا يمكنها إلا أنْ تؤديَ دوراً إيجابياً كعملياتٍ يُلجَأُ إليها في سبيلِ البلوغِ بالنسيجِ الأخلاقي والسياسي للمجتمع إلى وظيفته الأصليةِ بَعدَ أنْ كان مُعَرَّضاً للضمورِ والتآكل. وما يتبقى تُحَدِّدُه الإرادةُ الحرةُ للمجتمعِ الأخلاقي والسياسي.
c– تعتمدُ على السياسةِ الديمقراطية. فمقابلَ مفهومِ الدولةِ القوميةِ في الإدارةِ والحكم الصارمِ المركزيِّ البيروقراطي ذي المسار المستقيم، تُشَكِّلُ جميعُ المجموعاتِ الاجتماعية والهويات الثقافيةِ الإدارةَ الذاتيةَ للمجتمعِ من خلالِ الكيانات السياسيةِ المُعَبِّرَةِ عنها. ويتم تسيير الشؤون والأعمال على مختلفِ المستوياتِ عن طريقِ إداريين قائمين على وظائفهم بالانتخاب، لا بالتعيين. المهمُّ هو كفاءةُ إصدارِ قراراتِ المَجالِسِ المُتَداوَلة بالنقاش. أما الإداراتُ المستقلة، فغيرُ دارجةٍ أو مقبولة. تَتَحَقَّقُ الإدارةُ الديمقراطية ورقابةُ الأعمالِ الاجتماعية من خلال حزمةِ الهيئاتِ المتعددة البنى، المتطلعةِ إلى الوحدة ضمن إطارِ التباين والاختلاف، والمناسِبةِ لِبُنيةِ كلِّ مجموعةٍ وثقافة، بدءاً من الهيئة التنسيقية المركزية العامة (مجلساً كانت أم لجنة أم مؤتمراً)، وصولاً إلى الهيئات المحلية.
d– ترتكِزُ إلى الدفاع الذاتي. وحداتُ الدفاع الذاتي قوةٌ أساسيةٌ، ليس بوصفها احتكاراً عسكرياً، بل بخضوعها لمراقبةِ الأجهزةِ الديمقراطية المُشَدَّدة بما يُلَبّي احتياجات المجتمع الأمنية الداخلية والخارجية. تتجسدُ وظيفتُها في تفعيلِ إرادةِ السياسة الديمقراطية للمجتمع الأخلاقي والسياسي بوصفه بنيةَ القرارِ الحرِّ المعتمِدِ على المساواة تأسيساً على الاختلاف والتباين، وعلى شَلِّ تأثيرِ تَدَخُّلاتِ القوى العاملة على إفراغِ هذه الإرادة أو عرقلتها أو القضاء عليها، سواءً خارجياً أم داخلياً. البنيةُ القياديةُ للوحدات تَخضَعُ للرقابةِ المزدَوَجة مِن قِبَلِ أجهزةِ السياسة الديمقراطية وأعضاءِ الوحداتِ على السواء، ويمكن تغييرها بسهولة عندما تقتضي الحاجة من خلال الاقتراحات والمُصادَقاتِ المتبادَلة.
e– لا مكانَ فيها للهيمنةِ عموماً وللهيمنةِ الأيديولوجيةِ على وجهِ الخصوص. فمبدأُ الهيمنةِ يَسري في المدنيات الكلاسيكية. بينما في الحضاراتِ والعصرانيةِ الديمقراطية لا يُنظَرُ بعينِ التسامحِ إلى القوى والأيديولوجيات المهيمنة. ولدى تَخَطّي حدودِ التعبيرِ المغاير والإدارةِ الديمقراطية، يُشَلُّ تأثيرُ ذلك من خلالِ الإدارةِ الذاتية وحريةِ التعبير. التفاهمُ المتبادَل، واحترامُ المقتَرَحاتِ المختلفة، والالتزامُ بأسسِ القرار الديمقراطي شروطٌ لا بد منها في الإدارةِ الجماعيةِ لشؤونِ المجتمع. ورغمَ تَقاطُعِ مفهومِ الإدارةِ في المدنيةِ الكلاسيكيةِ والحداثةِ الرأسمالية مع مفهومِ الإدارةِ في الدولة القومية بصددِ هذا الموضوعِ؛ إلا أنه ثمة فوارقٌ وحالاتُ شذوذٍ كبرى بينهما وبين مفهومِ الإدارةِ في الحضارةِ والعصرانية الديمقراطيتَين. فنمطُ الإدارةِ البيروقراطية المزاجية ونمطُ الإدارةِ الديمقراطية الأخلاقية يَكمنان في أساسِ الفوارقِ وحالاتِ الشذوذِ والخِلاف.
هذا ولا يمكن الحديث فيها عن الهيمنةِ الأيديولوجية بتاتاً. فالتعدديةُ ساريةٌ على الآراءِ والأيديولوجيات المختلفة أيضاً. ولا تحتاجُ الإدارةُ إلى التمويهِ الأيديولوجيِّ لتَعزيزِ ذاتها. بناءً عليه، ومثلما لا ترى داعياً للأيديولوجياتِ القوموية والدينَوية والعلموية الوضعية والتعصبية الجنسوية، فهي مضادةٌ لبسطِ الهيمنةِ أيضاً. كلُّ رأيٍ وفكرٍ وعقيدةٍ له الحق في التعبير عن ذاته بِطَلاقةٍ وحرية، طالما لا يتخطى بنيةَ المجتمعِ الأخلاقيةَ والسياسيةَ، ولا يتطلعُ إلى بسطِ الهيمنة.
f– تَقِفُ في صفِّ الاتحاد الكونفدرالي الديمقراطي العالمي للمجتمعاتِ الوطنية العالميةِ مقابلَ مفهومِ الاتحادات على شاكلةِ هيئةِ الأمم المتحدة التي تضمُّ الدولَ القوميةَ الخاضعة لرقابةِ القوة المهيمنة الخارقة. ذلك أنّ توحيدَ المجموعات الأوسع نطاقاً بكثير كَمّاً ونوعاً على السواء تحت مظلةِ الكونفدرالية الديمقراطية العالمية حسبَ معاييرِ السياسة الديمقراطية، إنما هو شرطٌ أوليٌّ من أجلِ عالَمٍ أكثرَ أمناً وسلاماً وأيكولوجيةً وعدالةً وإنتاجية.
خلاصةً، فالفوارقُ ونقاطُ التضادِّ القائمةِ بين العصرانيتَين الرأسمالية والديمقراطية، والتي يمكننا المقارنةَ بينها بمنوالٍ أوسع بكثير؛ ليست مجرد ادِّعاءٍ مثاليٍّ وحسب، فهما عالَمان كبيران معاشان في الواقع الملموس. هذان العالَمان اللذان تَحارَبا أحياناً بلا هوادة كقُطبَين متضادَّين جَدَلياً، مثلما لَم ينقصْ السلامُ والوفاقُ بينهما بين الفينة والأخرى على مر مسيرتهما التاريخية؛ إنما هما في راهننا أيضاً يتصارعان أحياناً ويتسالمان أحياناً أخرى ضمن علاقاتهما وتناقضاتهما. لا ريب أنّ النتيجةَ النهائيةَ سوف يُحَدِّدُها مَن يَنفُذُ مِن الأزمة البنيوية الممنهجة القائمة بتحقيق الانطلاقةَ السليمة والحسنة والجميلة فكرياً وسياسياً وأخلاقياً.